حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
107
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الثانية : لقائل أن يقول : الاستعانة على العمل إنما تحسن قبل الشروع فيه لا بعده ، فهلا قدّمت الاستعانة على ذكر العبادة ؟ والجواب كأنه يقول : شرعت في العبادة فأستعين بك على إتمامها حتى لا يمنعني مانع ولا يعارضني صارف ، فإن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن . وأيضا إن قيل : الاستعانة مطلقة تتناول كل مستعان فيه فذكر العبادة كالوسيلة إلى طلب الإعانة على الحوائج وتقديم الوسيلة مناسب . الثالثة : لا أريد بالإعانة غيرك اقتداء بالخليل صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قيد نمروذ يديه ورجليه ورماه إلى النار فجاءه جبرائيل وقال : هل لك حاجة ؟ فقال له : أما إليك فلا . قال : فاسأل اللّه . قال : حسبي من سؤالي علمه بحالي . وهاهنا نكتة وهي أن المؤمن في الصلاة مقيدة رجلاه عن المشي ، ويداه عن البطش ، ولسانه إلا عن القراءة والذكر ، فكما أن اللّه قال يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : 69 ] فكذلك تقول له نار جهنم : جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي . الرابعة : لا أستعين غيرك لأن الغير لا يمكنه إعانتي إلا إذا أعنته ، فأنا أقطع الواسطة ولا انظر إلا إلى إعانتك . الخامسة : « إياك نعبد » تورث العجب بالعبادة فأردفه بقوله « وإياك نستعين » لإزالة ذلك . السادسة : هاهنا مقامان : معرفة الربوبية ومعرفة العبودية ، وعند اجتماعهما يحصل الربط المذكور في قوله أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة : 40 ] أما معرفة الربوبية فكمالها مذكور في قوله « الحمد للّه رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين » فانتقال العبد من العدم السابق إلى الوجود يدل على كونه إلها ، وحصول الفوائد للعبد حال وجوده يدل على كونه ربا رحمانا رحيما ، وأحوال معاده تدل على أنه مالك يوم الدين ، وأما معرفة العبودية فمبدؤها « إياك نعبد » وكمالها « إياك نستعين » في جميع المطالب ، وإذا تم الوفاء بالعهدين ترتبت عليه الثمرة وهو قوله : « اهدنا » إلى آخره . وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه . السابعة : في الالتفات الوارد في السورة وجوه : منها أن المصلي كان أجنبيا عند الشروع في الصلاة ، فلا جرم أثنى على اللّه بالألفاظ الغائبة إلى قوله : « مالك يوم الدين » . ثم اللّه تعالى كأنه يقول : حمدتني وأقررت بأني إله ، رب العالمين ، رحمن رحيم ، مالك يوم الدين ، فنعم العبد أنت يا عبد . رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلم بالمخاطبة وقل « إياك نعبد » . ومنها أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام من كونه